إعداد: د. إسماعيل أرونصال

تقديم وترجمة: د. أحمد عبد الله نجم

تُعَدُّ الوثائق والمصادر التركية أحد أهم المصادر التاريخية، ليس في دراسة تاريخ الدولة العثمانية وحدها، بل في دراسة تاريخ عدد كبير من الدول العربية، ومن بينها مصر والتي مثَّلت الحقبة العثمانية فيها تاريخًا طويلًا تبدت مظاهره في شتى مناحي الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية. وهذه الوثائق والمصادر تمثل نوافذ معرفية يمكن إن أحسن دارس التاريخ في تلك البلدان قراءتها والتفاعل معها أن تساعده على تشكيل فسيفساء تلك الجدارية الضخمة من تاريخ بلاده. وكلما زادت ترجمة هذا التراث المصادري – لمن لا يعرف اللغة التركية بشقيها القديم والحديث – في فتراته المختلفة؛ انفتحت أمام دارس التاريخ آفاق أرحب ونافذة أوسع تحمله من مجرد مشاهدة هذا التاريخ إلى المشاركة في كتابته.

وهذا قد يساعد على دفع التحيز الذي أصاب حقل الدراسات الخاصة بتاريخ الدولة العثمانية ومُنتَجها الحضاري الذي لم يكن وليد اليوم، بل هو نتاج لسنوات طويلة من عدم الاهتمام والتعالي في التفاعل مع تلك الفترة من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية، صاحبه في بعض الأحيان – مع اشتداد المدِّ القومي – نوع من العداء. مع أن الدولة العثمانية قد شغلت حيزًا مكانيًّا وزمانيًّا كبيرًا في التاريخ الإسلامي استمر ما يزيد عن الستة قرون أدت فيها تلك الدولة أدوارًا مهمة تمثلت في توسيع رقعة الأراضى الإسلامية عن طريق فتوحاتها فى أوروبا وخاصة فتح القسطنطينية. كما أنها مثلت حائط صد فى وجه أطماع الأوروبيين في العالمين الإسلامي والعربي، وهذا الأمر حمى المسلمين من خطري التنصير والاستعمار اللذين ابتُلِيَت بهما بعض الدول الأسيوية والأفريقية عندما ضعفت تلك الدولة في فترات تالية.

وفي هذا الإطار تأتي ترجمة هذه الدراسة عن التركية لتقدم رؤية أخرى جديدة يطرحها أحد أصحاب الشأن، وهو المؤرخ التركي الكبير الأستاذ الدكتور إسماعيل أرونصال تحت عنوان: “هل نهب العثمانيون المكتبات الوقفية في الولايات العربية؟! Fethedilen Arap Ülkelerindeki Vakıf Kütüphaneleri  Osmanlılar Tarafından Yağmalandı mı? والصادرة في عام 2014م عن “مجلة الدراسات العثمانية” The Journal of Ottoman Studies.

وتُمثل هذه الدراسة محاولة لتفنيد ونقض – إن جاز التعبير – اتهام حضاري مضى عليه ما يزيد على الخمسة قرون من خلال الوثائق والمصادر المكتوبة باللغة التركية. ولعل هذه الدراسة التي يقدمها أحد أهم المؤرخين في تركيا المعاصرة تكون قد نجحت في الإجابة على هذا السؤال/ الاتهام أو حاولت على أقل تقدير. وهي في كلتا الحالتين تقدم رؤية جديدة يمكن التفاعل معها ومناقشتها أو حتى رفضها، وذلك في إطار علمي يتسم بالحيدة والتجرد للحقيقة التاريخية المتخلصة من قيود النظرة القومية الضيقة التي يمكن أن تكبل مثل تلك الدراسات في التاريخ العثماني.

ويمكن القول بقدر من اليقين إن هذه الدراسة التي تعرض رؤية أخرى في قضية تاريخية مهمة، والتي نقدم ترجمتها في الصفحات التالية؛ تقوم دليلًا على ما يمكن أن تسهم به الوثائق والمصادر التركية في تغيير بعض السرديات التي توافقت الدراسات التاريخية العربية على ترديدها، أو تغيير النظر إليها على أقل تقدير، وقد تساعد في نهاية الأمر إلى جانب وثائق ومصادر أخرى في لغات أخرى على استكمال صورة الحكم العثماني لمصر والعالم العربي في جوانبه المختلفة.

حمل الدراسة